ثقافة وعلوم

ما هي حقيقة مرحلة المراهقة في علم النفس؟

اقرأ في هذا المقال

  • هل المراهقة مرحلة اضطراب نفسي بالضرورة ؟
  • الطب الشعبي والأفلام وبعض الكتب رسخت هذا المفهوم
  • الدلائل العلمية تشير إلى أن هذا مفهوم خاطيء
  • مفهوم حتمية مرور المراهقين بحالة من الاضطراب هو ضرر بحد ذاته

هل حقيقة مرحلة المراهقة أنها مرحلة اضطراب نفسي بالضرورة ؟

يقول مؤلفوا كتاب “أشهر 50 خرافة في علم النفس” : منذ وقت قريب كتبت إحدى الأمهات الساخطات إلى هاب ليكرون (٢٠٠٧ ) — محرر متخصص للاستشارات بإحدى الصحف الأسبوعية — طالبة منه أن يفسر لها ما الذي ألم بابنتها البالغة من العمر في ذلك الوقت ١١ عامًا التي كانت إلى وقت قريب طفلة مرحة هادئة .

كتبت الأم تقول : إن ابنتها تكره الأشياء التي يعجب بها بقية أفراد الأسرة، وإنها لا تود مرافقتهم إلى أي مكان، ولا تكون ردودها عليهم في الغالب مهذبة، والأكثر من ذلك أنها تواجه صعوبة بالغة في إقناعها بأن تحافظ على غرفتها مرتبة أو أن ترتدي ثيابًا مهندمة، فالردود الوقحة أصبحت هي الردود المعتادة منها.

أجابها ليكرون باقتضاب : “يُطلق بعض الآباء على هذه التجربة التي تمرّين بها داء المراهقة” !

ولا تعد وجهة النظر التي ترى أن المراهقة هي دائمًا أو في الأغلب مرحلة (اضطراب شعوري) وجهة نظر حديثة. فعالم النفس جي ستانلي هول ( ١٩٠٤) وهو أول رئيس للجمعية الأمريكية لعلم النفس، كان هو أول من تحدث عن استعار هول هذا المصطلح بوصفها فترة « عواصف وتوترات » وهو تعبير ووصف عن المشاعر العميقة والمؤلمة في الغالب.

ثم قدمت بعد ذلك آنا فرويد ( ١٩٥٨ ) — ابنة سيجموند فرويد التي حفرت بجهدها مكانتها كواحدة من المحللين النفسيين البارزين — شرحًا مبسطًا لوجهة النظر التي ترى أن الاضطراب الشعوري الذي يمر به المراهقون هو أمر سائد.

حيث كتبت “أنْ يكون المرء طبيعيٍّا خلال فترة المراهقة أمر غير طبيعي في حد ذاته، وأن المراهقة بطبيعتها فاصل يقطع النمو الهاديء” . تعتبر آنا فرويد المراهقين الذين لا يمرون بكثير من الاضطرابات مرضى معرضين بدرجة كبيرة لخطورة الإصابة بالمشكلات النفسية في سن الرشد!

الطب الشعبي والأفلام وبعض الكتب رسخت مفهوم المراهقة المضطربة :

عزز أيضاً أخصائيو علم النفس الشعبي الحاليون المفهوم القائل إن سنوات المراهقة هي في الأغلب سنوات من الدراما العائلية المثيرة. وأحد الأمثلة على ذلك ما ورد في النسخة الدعائية من كتاب « الاستعداد لمرحلة المراهقة »  للخبير التربوي د. جيمس دوبسون ( ٢٠٠٥ ) عن أن هذا الكتاب سوف يساعد المراهقين على اجتياز السنوات الصعبة لهذه المرحلة » وسوف يساعد الآباء الذين يرغبون في أن يعرفوا ماذا يقولون للطفل الذي يقف على أعتاب سنوات المراهقة المليئة بالتقلبات .

ووجه برنامج تليفزيوني ظهر به د.(فيل ماكجرو) تحذيرًا للمشاهدين من أن « سنوات المراهقة قد تكون هي أسوأ كابوس يعيشه الأب والأم » ووعد بمناقشة « الطرق التي يمكن أن يعبر بها الآباء والأبناء المراهقون مرحلة المراهقة بسلام »

هذه الصورة النمطية لسنوات المراهقة كمرحلة « بشعة » تكرر ظهورها في الكثير من وسائل الإعلام الترفيهية؛ فهناك عشرات الأفلام والكتب تركز على مأساة المراهقين .

ولأن الكتب والأفلام تركز على حكايات المراهقين المضطربين أكثر بكثير من تركيزها على المراهقين الأسوياء — إذ إنه من غير المحتمل أن يصنع فيلم من أفلام هوليوود يتحدث عن مراهق سوي تمامًا قصة مشوقة، ناهيك عن أن يحقق إيرادات ضخمة — فلا تخلو نماذج المراهقين التي تعرض على الجمهور باستمرار من موقف انحيازي .

لكن ما هي حقيقة مرحلة المراهقة، وهل مرحلة المراهقة هي مرحلة اضطراب نفسي حتمي ؟

يقول المؤلفون : وحتى نقيّم الادعاءات بأن مرحلة المراهقة هي فترة عواصف وتوترات، نحتاج إلى دراسة ثلاثة من محاور، هي سلوك المراهقين، والصراعات مع الآباء، والتقلبات .

تظهر الأبحاث العلميَّة أن الادعاء القائل إن مرحلة المراهقة هي فترة عواصف وتوترات يشتمل على جزء صغير من الحقيقة هي في الأغلب أحد الأسباب التي تقف وراء شهرته .

إن المراهقين معرضون بدرجة مرتفعة إلى حد ما لخطورة مواجهة صعاب تتعلق بمحاور السلوك الثلاثة السابقة، هذا على الأقل في المجتمع الأمريكي، إذ تتزايد الصراعات مع الآباء خلال سنوات المراهقة، ويتعرض المراهقون لتقلبات مزاجية وحالات مزاجية متطرفة أكثر من غيرهم ، ويقدمون على المخاطر البدنية أكثر من غيرهم .

لذا من الصحيح أن فترة المراهقة قد تشهد صراعات نفسية محتدمة لدى « بعض » المراهقين. ولكن لاحظ أن كلمة « بعض»  وُضعت بين علامتي تنصيص، فهذه البيانات نفسها تظهر أن كل واحدة من هذه الصعوبات مقصورة على قلة قليلة من المراهقين؛ إذ تشير معظم الدراسات إلى أن ٢٠ ٪ فقط من المراهقين هم من يمرون باضطرابات ملحوظة، لكن الغالبية العظمي يتمتعون بحالات مزاجية إيجابية وعلاقات متوائمة مع آبائهم وأقرانهم ، بالإضافة إلى ذلك، فإن الاضطرابات الشعورية الملحوظة والصراعات مع الآباء تقتصر بدرجة كبيرة على المراهقين الذين يعانون مشكلات نفسية واضحة مثل الاكتئاب واضطراب السلوك، هذا بالإضافة إلى المراهقين الآتين من خلفيات أسرية ممزقة .

إذن لا توجد أسس قوية تؤيد الادعاء القائل إن القلق الذي يصحب مرحلة المراهقة هو أمر تقليدي أو حتمي (إيبستاين، ٢٠٠٧)، بل على العكس، حدوث ذلك هو الاستثناء وليس القاعدة.

علاوة على ذلك، لم تجد دراسة تتبعت ٧٣ مراهقًا من الذكور على مدار ٣٤ عامًا أي دليل ولو ضعيف على أن المراهقين الذين يتكيفون بسهولة مع هذه الفترة يكونون معرضين لخطورة الإصابة بالمشكلات النفسية فيما بعد (أوفر وآخرون، ٢٠٠٢ ). هذه النتائج تثبت خطأ ما زعمته آنا فرويد من أن المراهقين الذين يبدون أسوياء هم في الحقيقة غير أسوياء ومعرضون حتمًا للإصابة بمشكلات نفسية في سن الرشد.

تتعارض أيضًا المعلومات الآتية من الثقافات الأخرى، التي تظهر أن مرحلة المراهقة هي فترة هدوء وسلام نسبي في العديد من المجتمعات التقليدية غير الغربية، مع الآراء التي تعتبر أن مرحلة المراهقة هي مرحلة مليئة بالعواصف والتوترات (أرنيت، ١٩٩٩ ؛ دازن، ٢٠٠٠ )، فسنوات المراهقة تمر في اليابان والصين على سبيل المثال دون أي منغصات. ففي اليابان يصف ٨٠ إلى ٩٠ ٪ من المراهقين حياتهم الأسرية بأنها « محببة » أو « مرحة »  ويقولون إنهم يتمتعون بعلاقات إيجابية مع آبائهم. ولم تُسجل أي اضطرابات خطيرة بمرحلة المراهقة في الهند والبلدان الواقعة جنوب الصحراء الأفريقية، وجنوب شرق آسيا، والعديد من بلدان العالم العربي.

وعلاوة على ذلك، هناك دلائل تشير إلى أن ازدياد تطبيق العادات والأفكار الغربية في هذه الأماكن يرتبط بازدياد الاضطرابات المصاحبة لمرحلة المراهقة .

نحن لا نعلم سبب شيوع اضطرابات مرحلة المراهقة في الثقافات الغربية أكثر منها فيما عداها. يشير بعض الكتاب إلى أنه على عكس ما يفعله الآباء في معظم الثقافات الأخرى، يميل الآباء في الغرب إلى معاملة أولادهم في مرحلة المراهقة على أنهم أطفال وليسوا أشخاصًا بالغين في طور النضج لهم ما للبالغين من حقوق وعليهم ما عليهم من واجبات، ولذا قد يتمردون على القيود التي يضعها آباؤهم ويتصرفون بطريقة معادية للمجتمع.

هل المعتقدات الخاطئة بشأن حتمية مرور المراهقين بحالة من الاضطراب يمكن أن تحدث أي أضرار؟

ربما؛ فتجاهل بعض المشكلات الحقيقية التي يمر بها أو تعبر عن فترة طبيعية من الاضطراب « مرحلة عابرة » المراهقون بوصفها تمثل قد يسبب حالة من الانزعاج الشديد للمراهقين الذين لا يتلقون مساعدة نفسية هم في أشد الحاجة إليها (أوفر وشونرت رايتشل، ١٩٩٢ ). صحيح أن بعض صيحات المراهقين طلبًا للمساعدة تكون حيلة ماكرة للفت الانتباه، ولكن هناك صيحات أخرى عديدة تطلقها أرواح شابة بائسة تجاهل الآخرون ما تعانيه .

المصدر :

مصادر خارجية
أشهر خمسون خرافة في علم النفس
المصادر
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock