الإدارةالتعليم

سلبيات الجامعات في الوطن العربي وأسباب فشل التعليم العالي

عن سلبيات الجامعات في الوطن العربي وسلبيات التعليم العالي ككل في وطننا العربي يقول الدكتور أحمد إبراهيم موسى، أستاذ مساعد إدارة الموارد البشرية بجامعة أبو ظبي في كتابة “إدارة الجودة الشاملة في مؤسسات التعليم العالي” : تُسجَّل مآخذ كثيرة على مؤسسة الجامعة، كأداة للنظام التربوي العربي، لعل أبرزها، أنها تخلِط مفاهيم التعليم بالتعلُّم، والدرجة العِلمية بالكفاءة، والمستوى الدراسي بالمستوى الثقافي؛ ويُؤدي ذلك إلى الخلط بين مفاهيم قِيِميَّة، ومهارات أدائية خِدمية، ويكون شأنها في ذلك، شأن المؤسسات الصِحيَّة؛ التي تخلط مفهوم الصحة بالرعاية الطبية، وكذلك المؤسسات العسكرية؛ التي تخلط مفهوم القدرة العسكرية بالأمن الوطني. ومن ثم؛ فإن مؤسسة الجامعة في الوطن العربي، تستنزف الدخل القومي في مجالات لم تثبت جدواها. والواقع، أن مواجهة التحديات التربوية في القرن الحادي والعشرين، تقتضي إيجاد حلول مناسبة لإشكاليات متعددة، يواجهها الفرد والمجتمع، مثل: الهَويَّة الوطنية مقابل النظام العالمي، والأصالة مقابل المعاصرة، والتنافس مقابل تكافؤ الفرص. فماذا فعلت مؤسسة الجامعة في العالم العربي للمساهمة في حل مثل هذه الإشكاليات؟ هذا، ويُؤخَذ على الجامعة في العالم العربي، أنها تستأثر بحق التعليم والتدريب، وتُصِر على حرمان المؤسسات الأخرى من مثل هذا الحق. ويُسجَّل عليها – أيضًا – تدنِّي مستوى كفاءتها الاقتصادية؛ مما يُحمِّل الدول أعباء النفقات الرأسمالية والتشغيلية، وفي ذلك عبء اقتصادي، ينوء به كاهل أية دولة، مهما كانت إمكاناتها. وقد وقف الأكاديميون – من حيث يعلمون أو لا يعلمون – عند حدود تدريب الشباب على استراتيجيات التفكير المنطقي والنقدي، ولم يفطِنوا إلى أهمية التدريب على التفكير النظمي والاستكشافي والإبداعي .

أسباب فشل التعليم العالي العربي في القيام بوظيفته وتحقيق أهدافه:

يُؤكِّد (القاسمي، 2008)، على أن أسباب فشل التعليم العالي العربي في القيام بوظيفته وتحقيق أهدافه، يُمكن تلخيصها في:

  • التدنِّي الكمِّي في التعليم العالي:

يتسم التعليم العالي في البلاد العربية بمحدوديته؛ فالجامعات العربية لا تضم سوى نسبة محدودة من الشباب، الراغبين في التعليم العالي والقادرين عليه، من الفئة العُمريَّة من 18 إلى 23 سنة؛ إذ لا تتجاوز هذه النسبة 15%، في حين تبلغ نفس النسبة في البُلدان المُتقدِّمة حوالي 56%. إن التعليم العالي في بلادنا العربية، ما زال تعليمًا للخاصّة، ولم يُصبح بَعْد تعليمًا للجميع.

  • التدنِّي النوعي في التعليم العالي:

تتفق الدراسات العِلمية، على أن نوعيَّة التعليم الجامعي في البلاد العربية متدنِّية جدًا. وتتضافر عِدَّة عوامل على إحداث هذه النوعية المتدنية للتعليم الجامعي العربي، أهمها:

  • استخدام لغة أجنبية في التعليم، خصوصًا في التخصُّصات العِلمية والتكنولوجية. وقد أثبتت جميع التجارب والدراسات، عدم استيعاب الطالب العربي للمفاهيم العِلمية، وضعف تحصيله الدراسي؛ الناتِج عن عدم إتقانه لِلُغَة التعليم. ويُلاحَظ هنا، أن جميع جامعات الدول التي حققت التنمية البشرية؛ تُعلِّم بِلُغتها الوطنية، فالجامعات الكورية تُعلِّم بالكورية، والفنلندية بالفلندية، والإسرائلية بالعِبْرية … إلخ. أما الجامعات العربية، فإنها تُعلِّم باللُغة العامِّيَة، أو بالإنجليزية، أو بالفرنسية، وليس باللُغة العربية الفصحى.
  • اكتظاظ الأقسام والصفوف بالطلاب؛ بسبب النمو السكاني الكبير، والذي يتراوح في الدول العربية بين 2,5 و3,5%، مقارنةً بالمعدل العالمي، الذي يبلغ أقل من 1,5%. ولهذا؛ فإن النسبة العامة (طالب/ أستاذ) في معظم الأقطار العربية غير البترولية، يبلغ أكثر من 100 طالب لكل أستاذ.
  • ضعف الهيئة التدريسية وعدم كفايتها؛ بسبب هجرة العقول وأصحاب الكفاءات، بالإضافة إلى الأعباء التدريسية العالية، وسوء أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وعدم تدريبهم على استخدام طرائق التدريس الحديثة

  • التدنِّي الكيفي في التعليم العالي:

     تُعَدُّ طرائق التدريس المتَّبعَة في التعليم الجامعي، امتدادًا لما هو متَّبَع في التعليم العام؛ فالأستاذ يُلقي ويلقِّن، والطالب يتلقَّى ويُدوِّن. وهذه الطرائق، لا تُشجِّع على التفكير والبحث والتحليل، ولا تُساعد على الإبداع والابتكار. كما لا توجد علاقة أكاديمية سليمة بين الأستاذ والطالب؛ فالأستاذ تنتهي مُهمِّته بعد إلقاء الدرس، ولا تُوجد لديه ساعات مكتبية يستقبل فيها الطالب، ويُساعده على حل مشكلاته، كما ينعدم التعاون بين الأستاذ وطلابه في البحث العِلمي. أضف إلى ذلك، أن الأغلبية الساحقة من الجامعات العربية، لم تستخدم بَعْد وسائل التعليم الإلكتروني، ولم تضع مناهجها على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت).

  • التدنِّي الموضوعي في التعليم العالي:

هناك اختلال في التوازن بين التخصُّصات العِلمية والتقنية من جهة، والأدبية والإنسانية من جهة أخرى؛ فعلى الرغم من أن الكليات العِلمية والتقنية، تُشكِّل حوالي نصف الكليات في جامعاتنا، فإن مجموع الطلاب المُلتحقين بها، يقل عن ثُلث مجموع الطلاب الجامعيين؛ وهذا ما يُفسِّر بطالة كثير من الجامعيين، الذين لا يستجيبون لحاجات سوق العمل، الذي يطلب عددًا أكبر من المِهنيين والتقنيين؛ ويعود السبب في ذلك إلى سوء التخطيط، وعدم توافر ما يكفي من الموارد المادية المُخصَّصة للتعليم العالي، لمواجهة زيادة الطلب عليه، والتوسع في التخصصات العِلمية والتقنية، التي تتطلب تجهيزات ومختبرات عالية التكلفة، ولهذا؛ يضطر المسؤولون، إلى التوسُّع في التخصصات الإنسانية والأدبية.

ومعروف، أن التوازن الموضوعي ذو علاقة وثيقة بالتنمية البشرية الشاملة، التي تتطلَّب عددًا كافيًا من العِلميين والتقنيين، لا تقل نسبتهم عن 2,5% من عدد السُكان، في حين أن معظم البلاد العربية، لا يتوافر لديها إلا ما يُقارِب 0,3%، أي أن عدد العِلميين والتقنيين، هو 300 فرد في كل مليون عربي، مقارنةً بـ 3600 فرد في كل مليون نَسمَة في المجتمعات المُتقدِّمة.

  • تدنِّي البحث العلمي في التعليم العالي:

إذا كان بعض خبراء التعليم العالي، يَروْن أن البحث العلمي هو الوظيفة الأساسية للجامعة، ويَروْن أن الجامعة ينبغي ألا تُقدِّم لطلابها سوى المعلومات الجديدة، التي يتوصَّل إليها البحث العِلمي، خاصة تلك البحوث التي تجري في الحرم الجامعي ذاته، ويُساهم فيها الأساتذة والطلبة، فإن جامعاتنا العربية، لا تعد البحث العلمي من واجباتها؛ وذلك نتيجة للسياسات الحكومية العامة؛ فالحكومات العربية لا تُخصِّص للبحث العلمي سوى 0,2% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين تُخصِّص الدول المُتقدِّمة حوالي 6% أو أكثر من ناتجها المحلي الإجمالي للبحث العلمي، بل إن بعض الدول المُتخلِّفة، تُخصِّص حوالي 1% من الناتج المحلي الإجمالي للبحث العلمي. وإذا كانت هناك بعض البحوث التي تُجريها جامعاتنا العربية، فيُلاحَظ عليها ضعف ارتباطها بالتنمية، وضعف صِلتها بعالم الابتكار، وعدم إشراك القطاع الخاص فيها، علاوة على قِلَة التنسيق بين المؤسسات البحثية، حتى في البلد الواحد.

  • تدنِّي التجهيزات والمُعدَّات والمرافق الضرورية في مؤسسات التعليم العالي:

إن الأغلبية الساحقة من الجامعات العربية، فقيرة في مرافقها العِلمية، وتجهيزاتها، ومعداتها، كالمكتبات، والمختبرات، والملاعب … إلخ، حتى أن تقريرًا لليونسكو، ذكر أن بعض هذه الجامعات لا يستحق اسم “جامعة”. أما الجامعات الخاصة أو الأهلية، فقد أُنشِأت لأغراض تجارية؛ بهدف أساسي هو الربح، وليست هناك ضوابط حكومية لإنشاء مثل هذه الجامعات الخاصة، وما يجب أن تكون عليه. وجدير بالذكر هنا، أن أستاذًا جامعيًا مُتقاعِدًا، أسَّس “معهدًا عاليًا” خاصًا، يمنح شهادات جامعية، وبدأ هذا المعهد في شَقة بثلاث غرف، وينخرط كثير من الطلاب في هذا “المعهد العالي”؛ لأن الجامعات الرسمية عاجزة عن الاستجابة للطلب الكبير على التعليم العالي.

  • إنعدام تقييم جودة التعليم العالي:

في الوقت الذي يُنادي الجميع فيه بضرورة استقلال الجامعة، وحُريَّتها الأكاديمية، بمعنى استقلال إدارة الجامعة في تدبير شؤونها، وحرية أعضاء الهيئة الأكاديمية – من أساتذة وباحثين وطلاب – في متابعة دراساتهم، وتحديد أولويات بحوثهم، والتعبير عن آرائهم دون تدخل خارجي، فإننا نُؤمِن بضرورة أن يخضع المستوى العِلمي لأساتذة الجامعة، وبرامجها، ومتطلبات شهاداتها، وكِفاية مرافقها وتجهيزاتها، إلى تقييم موضوعي سنوي، تقوم به مؤسسة مختصَّة مُستقلَّة، وتُنشَر نتائجه على الجمهور، وذلك كما هو الحال في الدول الغربية. وهذا التقييم غير موجود في البلاد العربية، باستثناء تقييم تجريبي غير مستمر، قام به البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في عدد محدود من الجامعات العربية.

المصادر :

  • الدكتور أحمد إبراهيم موسى – كتاب إدارة الجودة الشاملة في مؤسسات التعليم العالي
المصادر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق